شكيب أرسلان

76

الرحلة الحجازية ( الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف )

ونحن في الطائف أن الهدا سقيت وأغيثت ورجعت إليها روحها . وليس في الحجاز أوحى « 1 » من أخبار المطر ، فهي لشدّة غزارة القطر تسري من واد إلى واد ، ومن نجع إلى نجع بسرعة اللاسلكي ، وتراهم من شدة ترقبهم للأمطار يعرفون من مواقعها بمجرّد النظر ما لا نعرفه نحن في بلادنا ، فإذا تلبّدت السحب في أفق من الآفاق ، أو قصف رعد ، أو أومض برق ، قالوا لك : هذا في أرض عسير ، أو في بلاد ثمالة ، أو في الشفا ، أو في بلاد هذيل ، وهلم جرا ، وقد تكون المسافة ساعات بل أياما وتجدهم يخمّنون ويصيبون . بالجملة سكان البوادي أقرب إلى الطبيعة الفجة ، وآلف لها ، وأعرف بالسحب ومساقط الغيث ، وبالأرض وأنواعها ، والتراب وخواصه وروائحه ، والنبات وحياته ، والنجوم ومطالعها ومغاربها ، وما أشبه ذلك - من سكان الحواضر « 2 » . * * *

--> ( 1 ) [ أسرع ] . ( 2 ) [ ومن هنا تعلم بطلان قصة نبوة المتنبي ، لأنه لا يمكن لإنسان كائنا من كان أن يدلّس على الأعراب في شأن من شؤون المطر ، والقصة كلها مختلقة كما ذكر ذلك العلامة محمود محمد شاكر رحمه اللّه تعالى في كتابه الفذ « المتنبي » ( 199 - 215 ) . والحقيقة أن المتنبي لقب بهذا اللقب وهو صغير ، بسبب ترفعه وتكبره على أقرانه ، فهو مأخوذ من النبوة ، وهي المرتفع من الأرض ، لا من النبوّة ، ولمّا لازمه هذا اللقب ركّب خصومه عليه قصّة ادعاء النبوة ، وجعلوها علّة للقبه ، فاللقب سابق في التاريخ لدعوى النبوة المزعومة ] .